لكل المتراسلين معي أقدم هذا الجزء من كتاب الاقتصاد المعرفي, الجزء الأول, وسوف أقوم بنشر مقتطفات من كتاب الاقتصاد المعرفي, الجزء الثاني تباعا. (الاقتصاد المعرفي – المؤلف الدكتور باسم غدير غدير)
ملامح ظهور الاقتصاد المعرفي:
هناك تغييرات واضحة في التجارة والاتصالات والتمويل وحتى الإدارة. يقول إغنار يوفيسكو كبير الاقتصاديين في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD والذي قام بدراسة وتحليل هذا الوافد الجديد: “إن فكرة الاقتصاد الجديد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمؤثرات التقدم التقني على النمو الاقتصادي، وفي ظروف تكامل الاقتصاد وانفتاحه متأثراً وبشكل كبير بالعولمة التي أخذت باجتيـاح دول العالم ورمت بظلها على الجميع, لم يعد هناك حدود جغرافية، وأصبح العالم قرية صغيرة, وبالتالي فإن من أكثر الأمور التي تثير الاهتمام اليوم هي التجارة الإلكترونية التي تشتمل من حيث نوعية المنتجات على: تجارة السلع المادية وتجارة السلع المعرفية، إذ أصبحت السلع موجودة على مدار الساعة، وفي أي مكان في العالم نستطيع استعراض هذه السلع.[1]
ويشكّل الدور الذي تلعبه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المناقشات حول الأداء الاقتصادي عاملاً رئيسياً، ويرى أنه يمكن أن ترفع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات معدلات النمو عبر ثلاث قنوات هي:[2]
1. القناة الأولى: تساهم قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ICT التي تعتبر قطاعات منتجة بحد ذاتها، تساهم مباشرة في النمو إجمالاً بفضل مردودها الخاص. إن ICT هي اختصار Information And Communication Technologies ، إن هذه التقنيات ليست هي التي غيرت الاقتصاد، إنما هي التي أطلقت سراح الإبداع البشري فهي الأدوات التي حررت الإبداع وسمحت بنشر المعرفة، وقطاع ICT هو القطاع الجبار القوي الذي أثر في الاقتصاد وسلعه.[3]
وإن قيمة المعارف المتراكمة هي مؤشر قوة النمو، وإن تقنية ICT فتحت مجالاً واسعاُ للمنافسة، فالمنتجات التي تكون ذات مكون معرفي عالي هي التي تكون ذات عائد أكبر.
2. القناة الثانية: هي الاستثمار المرتفع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي ترفع قوة الإنتاج الكبير في الاقتصاد عموماً وتعكس – بالتالي – زيادات حادّة في جودة المعدات وهبوطاً في أسعارها.
3. القناة الثالثة: هي ما يطلق عليه “المؤثرات الجانبية” كانتشار الإنترنيت ونشوء التجارة الإلكترونية التي تؤدي إلى خفوضات هامة في التكاليف وفي تحسين تنظيم المؤسسات.
هناك مجموعة من التحولات المعاصرة في الاقتصاد العالمي أدت إلى ظهور الاقتصاد المعرفي التي يمكن إيجازها بما يلي:[4]
- الابتكارات والاكتشافات العلمية المتزايدة بشكل مطرد.
- الانتقال من مجتمع صناعي إلى مجتمع معرفي، وأصبحت المعارف والمعلومات هي المصادر الأساسية لهذا المجتمع.
- التطور الهائل في التقنيات المستخدمة.
- تكامل الاقتصاد وتحوله إلى اقتصاد عالمي مفتوح.
إن التاريخ الاقتصادي ولاسيما في القرنين الماضيين هو سلسلة متعاقبة من التغييرات التكنولوجية: الثورة الكهربائية، واختراع محرك الاحتراق الداخلي، وحصول تقدّم مفاجئ في الاتصالات أيضاً مثل اختراع التلغراف والهاتف، ولا شك الراديو والتلفزيون، إذا ما استثنينا أشكالاً أخرى من النقل. كل هذه الإنجازات غيّرت طريقة معيشة الناس. غير أن السؤال الذي يُطرح الآن: هل أنّ أيّاً من تلك الاقتصاديات الجديدة- التي حصلت من قبل- ولّد ارتفاعاً مستديماً في النمو إلى أمدٍ طويل.
إن ازدهار الإنتاج في الولايات المتحدة الأمريكية يعزى بشكل كبير إلى انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وتدلّ التقديرات الأخيرة على أن نمو نحو ربع المردود عموماً في الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الخمس الأخيرة ربما يعزى إلى الإنتاج والاستثمار في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أكثر منه في أيٍّ من البلدان السبع الصناعية الأخرى.
إن للاقتصاد الجديد “الاقتصاد المعرفي” قواعد جديدة هي: الابتكار الذي يحدث تقنيات جديدة في المعلومات، والتكنولوجيا التي ترفع الإنتاجية؛ والإنتاجية المرتفعة تزيد من الحد الأقصى لسرعة النمو وبكل المقاييس تقريباً. وفي كل مراحل اللعبة من عدد شركات الأعمال المبتكرة إلى الارتفاع في الناتج القومي المحلي تَهزمُ الولايات المتحدة أوروبا واليابان، أما بقية العالم فقد بدأ للتّو في تعلّم القواعد وشراء المعدات.[5]
الشكل (): متوسط معدل النمو السنوي
لقد أدّت الثورة في تكنولوجيا المعلومات إلى دور متعاظم للشركات العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات في الاقتصاد العالمي، وبرز مفهوم الاقتصاد المعرفي أو الإلكتروني Electronic Economy الذي يُتوقَّع أن يفوق الاقتصاد التقليدي، وقد حدّدها التقرير الصادر عن Anderson Consulting بما يلي:[6]
1. لم تعد الموجودات الفيزيائية للشركة تشكل عاملاً أساسياً في تقييم الشركة المالي.
2. لم يعد كبر حجم الشركة يتطلب زيادة متناسبة في التكاليف وبالتالي يحد الأرباح.
3. لم يعد هناك مواقع مالية أو تقنية تمنع النفاذ للمعلومات من قبل موظفي الشركة وزبائنها وشركائها.
4. لم يعد تأسيس شركات ذات وجود عالمي يتطلب فترة تأسيسية كبيرة واستثمارات مالية ضخمة.
يتميز الاقتصاد الجديد الذي يدعى بالاقتصاد المعرفي عن غيره من قطاعات الاقتصاد الأخرى كالزراعة والصناعة، فبينما كان المحراث هو التقنية المسيطرة في الزراعة، والآلة هي التقنية المسيطرة في الصناعة، فقد أصبحت التقنية المسيطرة في الاقتصاد المعرفي هي الحاسب والتي لا يمكن تجاهلها وهذه التقنية أساسية للبقاء في العمل, أما المصادر الإستراتيجية انتقلت من الأرض في الزراعة إلى رأس المال في الصناعة إلى أن أصبحت المعرفة هي المصدر الإستراتيجي لهذا الاقتصاد على اختلاف أشكالها وأنواعها، من حيث كونها تعليمية أكاديمية أو فنية أو إبداعية أو سياسية أو إخبارية أو استخباراتية. [7] ويمكن أن نقول أن مركز المعلومات القومي الموجود في دمشق مركز يوفر كم هائل من المعلومات و التي يمكن الاستفادة منها، ويمكن تسخيرها بشكل أو بآخر في خدمة التجارة الالكترونية والتسويق المعلوماتي السياسي والإخباري أو حتى التعليمي.
أما شكل المنظمة فقد انتقل من العائلة إلى المؤسسة حتى أصبحت الشبكات التي تشكل أداة تسويق وبنية تحتية أساسية ومهمة جداً, تمثل شكل المنظمة لهذا الاقتصاد المعرفي، تلك الشبكات هي وسيلة عملية التسويق والنشر الواسع لهذه المعرفة على مستوى العالم، فالجامعة الافتراضية السورية إحدى أشكال تلك المنظمة، والتي تقوم بتسويق المعارف العلمية والأكاديمية والتي تعتبر حتى الآن الجزء المهم من المعلومات والمعارف التي يجب تسويقها، بغية التوصل إلى بناء كادر بشري قادر على التعامل على الأقل مع المعطيات المستجدة والوفر الهائل من المعلومات.
إن مصدر الطاقة في الاقتصاد المعرفي هو العقل الذي يعتبر أداة الابتكار والإبداع، أما من ناحية طبيعة الإنتاج في عالم المعلومات والمعرفة فهي فردية، أي خاصة بمستهلك بعينه أي تعتمد بشكل كبير على قدرة المستهلك في التعامل مع هذا المنتج، وبشكل اكبر يعتمد على المنتج وقدرته على إنتاج مثل هذه السلع (معلومة/معرفة) وقدرته على ابتكار وابتداع أسلوب وطريقة تسويقها على الشبكة.[8]
أما الهدف من هذا الاقتصاد المعرفي هو النمو الشخصي، الذي يقود بصاحبه إلى التميز والتفرد عمن حوله بما قد يحققه من مكاسب قد تكون هائلة جداً.
إن هذا الاقتصاد الجديد فرض طائفة جديدة من ألوان النشاطات المرتبطة بالاقتصاد والمعلومات، ومن أهم ملامحه التجارة الإلكترونية.[9]
متطلبات الاقتصاد المعرفي:
تظهر المؤشرات الراهنة أن الاقتصاد العالمي متجه بنمو متسارع نحو التكامل نتيجة العولمة الاقتصادية، ولذلك ستكون المنافسة شديدة ومبنية على أساس المعلومات والمعرفة.
ومن هنا تتضح الحاجة لتعليم وتدريب الكوادر البشرية وتزويدها بمهارات الوصول لهذا الكم الهائل من المعلومات، ولكي تتوفر لتلك الكوادر القدرة على محاكاة هذه المعلومات ومعالجتها، بالإضافة إلى التركيز على موضوع تنمية قدراتهم على استخدام التقنيات المتمثلة بالحاسب وتوابعه، وأن يتمتعوا بدرجة عالية من المرونة للتعامل مع التقنيات المختلفة بكافة أنواعها.[10]
كما تظهر أهمية الحاجة للتعلم مدى الحياة, على اعتبار أن التربية والتعلم متطلبات أساسية و جوهرية للحفاظ على قدرة الفرد في البقاء على تواصل مع كل ما هو جديد، عندئذ يتم بناء كادر بشري منتج ومبدع من جهة، ومن جهة أخرى يتكون مستهلك رشيد قادر على التعامل مع منتجات هذا الكادر البشري، وهذا بالطبع سيؤدي إلى منافسة حقيقية في مجال المعرفة.
ففي عام 2003 اقترحت الأردن مشروع التطوير التربوي من أجل الاقتصاد المعرفي، ووضعت إطار هيكلي لهذا المشروع مؤلف من أربعة مكونات أهمها إعادة توجيه أهداف و إستراتيجيات السياسة التربوية من خلال تطوير الإدارة التربوية، وتغيير البرامج والتطبيقات التربوية لتحقيق مخرجات تواكب الاقتصاد المعرفي، وتفعيل البحث التربوي وتحسين نوعية التعليم.
تعريف الاقتصاد المعرفي:
في ظل هذه الظروف الجديدة لم يعد الاقتصاد معنياً فقط بالبضائع، أي بالتبادل التجاري للمنتجات المادية، بل ازداد اعتماده على تقديم الخدمات، وبالتالي اكتسب الاقتصاد سمة جديدة وهي إنتاج وتسويق وبيع الخدمات والمعلومات.
تبلغ نسبة المعرفة الناتجة عن التكنولوجيا أكثر من 50% من الإنتاج الإجمالي الأمريكي، كما أن مجموع العاملين الأمريكيين ممن لهم علاقة بالمعلومات والمعرفة، يبلغ حوالي ثلاثة أرباع مجموع القوة العاملة الأمريكية. ويتعزز هذا الاتجاه بصورة مستمرة فمن المقدّر أن 60% من المهن الأمريكية الجديدة عام 2010 ستطلب مهارات متطورة لـ 22% من عمال اليوم. ويعمل الباحثون الاقتصاديون اليوم على إدخال عامل المعرفة بشكل مباشر وواضح في نظريات التنمية مثل (نظرية النمو الجديدة)، فالعلاقة بين التنمية وتوليد المعلومات واستخدامها أصبحت واضحة، وأصبح الاستثمار في مجال المعلومات والإنترنيت أحد عوامل الإنتاج فهو يزيد في إنتاجية العاملين ويزيد من فرص العمل.[11]
إن الأحكام التي تقيّد اقتصاد المعلومات تحددها المبادئ أو التطورات الثلاثة التالية التي تحصل:
1. قبل كل شيء، تتراجع أسعار أجهزة المعالجات الدقيقة، كما تنبأ مؤسس شركة “إنتل Intel” قبل ثلاثة عقود كل 18 شهراً إلى النصف تقريباً. أو بعبارة أخرى، عند الحصول على أداء لقاء مبلغ معين، يتضاعف كل 18 شهراً. بداهة، إن كل أوجه معالجة المعلومات والاتصالات أخذت تسرع وتصغر وتتراجع أسعارها.
2. عُزي إلى مؤسس شركة “ثري. كوم 3 com“، روبرت ميتكالف Robert Metcalfe بأنه يرى أن فائدة الشبكة وبالتالي قيمتها تزداد مع زيادة عدد المشاركين فيها. وأن فائدة معالجات برنامج “وورد Word“- على سبيل المثال- تزداد بازدياد الذين يستعملونها، نظراً لأنهم يتبادلون المعلومات ويعالجون المضامين المتعلقة بكل طرف بدون أية صعوبة.
3. تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تخفّض من تكاليف المعاملات. وقد استعمل هذا المفهوم ليبين السبب من وجود المؤسسات وعدم تبادل الناس البضائع والخدمات مباشرة عبر السوق. ويكمن سبب ذلك في أن تبادل البضائع والخدمات ينجم عنه تكاليف. فلا يمكن أن يتم تنسيق المعاملات والأسواق من دون تكبّد تكاليف، إذ يتم تنسيق إنتاج البضائع في المؤسسات، وتصل إلى مقياس واحد وتراقب بواسطة نظم مراقبة ومعلومات دائمة. وتعتبر المؤسسات غالباً، على رغم تكاليف إدارتها المرتفعة، أكثر الحلول الفعالة لمشكلة تنسيق الأنشطة الاقتصادية، وبالتالي فإن تفاعل أو تطورات المبادئ الثلاثة تلك لا تولّد أسواقاً جديدة فحسب، بل تعدّل أيضاً الهياكل والأسواق القائمة. وقد بدأت عملية هذا التحول لتوّها ولم تصل بعد إلى سرعتها القصوى.
إن التغييرات الجذرية السريعة في الاقتصاد تجلب معها- كما حدث في الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر- فرص النجاح والمخاطر التي تضع تحديات أمام البنى الاجتماعية والسياسية القائمة.
في القرن التاسع عشر، كان معظم السكان في البداية على هامش عملية التحديث الخاسرة حتى أمكن- في النصف الثاني من ذلك القرن- حل المشكلة الاجتماعية وتغيير الحال بإدخال إصلاحات وإقامة مؤسسات رسمية جديدة كالضمان الاجتماعي ومشاريع التقاعد.[12]
أصبحت التقنية والمعرفة في وقتنا الحاضر كما سبق وذكرنا أهم عوامل الإنتاج, كما أصبحت المعرفة هي رأس المال الحقيقي، وأصبح نمو الاقتصاد يقاد بتراكم المعارف.[13]
فالاقتصاد المعرفي هو الاقتصاد الذي يعتمد على المعرفة، وهو نوع من إنتاج واستغلال المعرفة، فأكثر من 60 % من عمال الولايات المتحدة هم عمال معرفة (knowledge worker).[14]
لكن ماذا يقصد بالمعرفة وبعامل المعرفة؟
عامل المعرفة هو الذي يعالج الرموز ويحللها أكثر من معالجة الآلات إذا هو باختصار Analyst. أما المعرفة يمكن أن تكتشف أو تضع من قبل العامة(public) بدون تكلفة.
صانع المعرفة يجد صعوبة في منع الآخرين من استخدام المعرفة، على الرغم من توفر بعض وسائل الحماية مثل حقوق الطبع والنشر وبراءة الاختراع وغيرها.
لقد أصبح رأس المال الفكري مصدر القوة في تحقيق المنافسة، لذلك يجب على الشركات أن تتعلم كيف تحول ما لديها من رأس المال الفكري في ضوء متغيرات العالم.
يميز شارلز ليدبيتر بشدة بين نوعين من المعرفة – الضمنية والجلية – ليبين كيف يعمل بالفعل نظام اقتصادي يقوم على المعرفة والأفكار. فالمعرفة الضمنية – كيف تطهو- يجب أن نحولها إلى معرفة ملموسة – وصفة – حتى يمكن تتجيرها. وبتعبير آخر, فإن المعرفة يجب أن تكون قابلة للتسليع commodified. لكن المعرفة ليست مثل أنواع السلع الأخرى. وكما يقول ليدبيتر, فإن “الاستهلاك هو متعة تملك الشيء. لكننا عندما نستهلك المعرفة – الوصفة على سبيل المثال – لا نملكها. فاستهلاك الوصفة نشاط مشترك . إننا لا نبطل المعرفة الموجودة بالوصفة باستخدامها, إننا ننشرها”. (ما يقوله ليدبيتر عن الوصفة قريب جداً مما يقوله نيكولاس غراهام عن “السلع الثقافية”.
وهكذا, لا يمكن البتة فهم دور المستهلك في اقتصاد المعرفة من خلال المجازات التي ورثناها عن الزراعة, حيث يأكل (بمعنى الكلمة) المستهلكون المنتجات. بدلاً من هذا, “سيصبح الاستهلاك, في اقتصاد توجهه المعرفة, أقرب إلى علاقة منه إلى فعل, وتصبح التجارة أقرب إلى التلبية منها إلى التبادل, وسيتضمن الاستهلاك في الغالب إعادة إنتاج, مع وضع المستهلك باعتباره آخر عامل على خط الإنتاج, وسيشتمل التبادل على المال, لكن المعرفة والمعلومات ستتدفقان على الاثنين على حد سواء. وستجتذب الشركات الناجحة عقول مستهلكيها لتحسين منتجاتها”.[15]
إذاً ومن خلال ما ورد لا مناص من الاعتراف بتحوّل المعلومة إلى سلعة حقيقية يمكن الاتجار بها. ويمكن في النهاية تعريف الاقتصاد المعرفي على أنه: نمط جديد يختلف في كثير من سماته عن الاقتصاد التقليدي الذي ظهر بعد الثورة الصناعية. وهو يعني في جوهره تحول المعلومات إلى أهم سلعة في المجتمع بحيث تمَّ تحويل المعارف العلمية إلى الشكل الرقمي وأصبح تنظيم المعلومات وخدمات المعلومات من أهم العناصر الأساسية في الاقتصاد المعرفي.[16]
أنواع السلع المعرفية:
مع اتساع رقعة الاتصال وتحوّل العالم إلى قرية كونية صغيرة ظهرت المعرفة كسلعة لها دورها الحقيقي في الاقتصاد الجديد وفي حجم المبادلات التجارية العالمية كما سبق وأشرنا وأصبح بإمكاننا التمييز بين السلع المادية والسلع المعرفية.
يمكن تلخيص الفروقات بين السلع المادية والسلع المعرفية بالجدول التالي:[17]
|
السلع المعرفية |
السلع المادية |
|
سلع غير ملموسة |
سلع ملموسة |
|
تنتج مرة واحدة وتباع ملايين المرات |
يجب أن تنتج في كل مرة |
|
تحقق أرباح خيالية فهي تحقق قيمة مضافة تصل نسبتها إلى (100 % ) |
تحقق قيمة مضافة ليس من الضرورة أن تكون عالية |
|
سلع مبنية على المعرفة وحدتها (Bit ) |
سلع مبنية على المادة وحدتها الذرة |
|
تحتاج لكادر بشري مبتكر ومبدع ومحترف |
تحتاج لعمالة ليس من الضروري أن تكون مبدعة |
ويمكننا تقسيم السلع المعرفية إلى:
1. المعارف العلمية: منها ما يختصّ بالمعارف التكنولوجية التقنية والتصنيعية وتبادل الخبرات في هذا المجال، ومنها المعارف الفنية والإبداعية، ومنها ما يتعلّق بالمعارف الأخبارية والسياسية والتاريخية انتهاءً بالفعل المخابراتي والجاسوسية العالمية.
2. المعارف الأكاديمية: مثل تبادل المعارف الأكاديمية عبر الجامعات والاستثمار التعليمي في الجامعات الخاصة وغيرها وتبادل الخدمات الطبية واكتشافها عبر الأكاديميات المتواجدة على هذه الخارطة التكنولوجية الحديثة.
3. المعارف الإعلامية: وهي كل ما يختص بإيصال الأخبار والإعلان بكافة أشكاله.
حوامل السلع المعرفية:
إن حوامل السلع المعرفية كثيرة ومتعددة وبتطور مستمر تخلّفه الحاجة إليه من جهة، وتفرضه الآليات الصناعية التي تبحث عن كل جديد بحثها عن الربح من جهة أخرى. لذلك كان للاختراعات التكنولوجية الحديثة والتي أهمها الكمبيوتر الأثر الأكبر في تطوير هذا الاقتصاد المعرفي ومساندته.
إذاً فحوامل السلع المعرفية تبدأ بالراديو والتلفاز والكاسيت والجريدة والمجلة.. إلى الكمبيوتر والأقراص المدمجة والمجلة الإلكترونية والنشر الإلكتروني والإنترنيت.
البنية التحتية للاقتصاد المعرفي:
إن البنية التحتية للاقتصاد المعرفي تتجلّى بشكل أساسي بما يحتاجه هذا الاقتصاد من عناصر مادية وغير مادية تؤدي بشكل أو بآخر إلى فعالية هذا الاقتصاد.
وأكثر ما يحتاجه هذا الاقتصاد من البنى التحتية في الفترة الراهنة هو ما يتعلّق بالبنى التّحتية لشبكة الإنترنيت الدولية، ويحلو للبعض تسمية الاقتصاد المعرفي باقتصاد الإنترنيت؛ باعتبار الإنترنيت هي روح هذا الاقتصاد، والمحرّك الأساسي له.
يضم اقتصاد الإنترنيت بالإضافة إلى التجارة الإلكترونية:
1. البنى التحتية لشبكة الإنترنيت (الشركات المصنّعة لتجهيزات الاتصالات والحواسب والخدمات…).
2. البنى التحتية للتطبيقات والبرمجيات (Microsoft وNetscape وIBM…).
3. التسويق والوسطاء (الشركات التي تسهّل تلاقي البائع والمشتري عبر الويب مثل Zd net و Excite و Yahoo).
وفي دراسة للبنى التحتية آنفة الذكر قام مركز الأبحاث حول التجارة الإلكترونية في جامعة تكساس في دراسة لعام 1999 بما يخص حجم اقتصاد الإنترنيت للشركات المتمركزة في الولايات المتحدة الأمريكية فقط من حيث رقم الأعمال (الإيرادات) وعدد العاملين كما يلي:
الجدول رقم ( ): البنى التحتية للاقتصاد المعرفي
|
|
الإيرادات التقديرية (ألف دولار) |
عدد العاملين التقديري |
متوسط الدخل بالنسبة للفرد الواحد (بالدولار) |
|
البنى التحتية للشبكة |
114982800 |
372462 |
308708 |
|
البنى التحتية للتطبيقات |
56277600 |
230629 |
244015 |
|
التسويق والوسطاء |
58240000 |
252473 |
230678 |
|
التجارة الإلكترونية |
101893200 |
481990 |
211401 |
|
المجموع |
331393600 |
1337554 |
247761 |
المصدر: عبود.، د. طلال، التسويق عبر الإنترنيت، دار الرضا للنشر، دمشق، 2000، ص15.
إن دخل (رقم الأعمال) قطاع التجارة الإلكترونية كما ظهر في الجدول رقم ( ) قد تجاوز مئة مليار دولار أي ما يعادل ثلث اقتصاد الإنترنيت بأكمله. في حين لم يتجاوز دخل هذا القطاع 5.3 مليار دولار عام 1995 وبالتالي يكون معدل التزايد السنوي حوالي 168% بينما لم يكن معدل تزايد الدخل القومي للولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة نفسها بأكثر من 38%.[18]
أعطت الدراسة أيضاً تقديراً لحجم اقتصاد الإنترنيت على مستوى العالم بأسره، مع اعتبار انه يتم توليد حوالي 75% منه من قبل الشركات الأمريكية، ليصبح على مستوى العالم اكثر من 400 مليار دولار.
خلال خمس سنوات من عمره بدأ اقتصاد الإنترنيت ينافس بقوة أعرق القطاعات الاقتصادية التقليدية مثل الطاقة (223 مليار دولار)، العربات- (350 مليار دولار)، الاتصالات (270 مليار دولار)، ويأتي ترتيبه في المرتبة الثامنة عشر إذا ما قورن بالدخل القومي للدول. كما أن دخل الفرد في هذا القطاع أعلى بكثير من جميع القطاعات الصناعية إذ يصل إلى 250 ألف دولار للفرد العامل في العام الواحد!!!
ويقدّر الدخل الإجمالي العامل العالمي لقطاع التكنولوجيا لمتقدمة بحوالي 1900 مليار دولار، وعدد العاملين في هذا القطاع بحوالي 5.9 مليون دولار أمريكي، 20% منهم يعملون في قطاع الإنترنيت.
هناك أيضاً حوالي 3.3 مليون شخص يعملون في تكنولوجيا المعلومات. كما أنه من المتوقع أن تزيد الحاجة إلى المتخصّصين في تكنولوجيا المعلومات، ففي عام 1998 وصلت هذه الحاجة إلى حوالي 346 ألف عامل في الولايات المتحدة، وأعلنت أوروبا عن 510 آلاف فرصة عمل في العام نفسه.[19]
الضرورات الملحة للمعرفة في ظل الاقتصاد المعرفي:
1. توليد المعرفة: وذلك في مؤسسات البحث والتطوير وفي الجامعات, وهذا يتطلب قيام الدول النامية من جهة برفع معدلات تمويلها ودعمها لهذه المؤسسات.
2. نقل المعرفة: وذلك من قبل الشركات المتقدمة, وكذلك مؤسسات التوثيق العلمي وشبكات نقل المعلومات ومؤسسات الترجمة, وكذلك عن طريق البعثات للاختصاصات المختلفة بقصد نقل المعرفة وتوطينها, يضاف إلى ذلك جهود التعاون الإقليمي والدولي بهذا القصد.
3. نشر المعرفة: ويكون بدعم دور التوثيق والإعلام العلمي إضافة إلى برامج التوعية العلمية المختلفة, وكذلك توفير مراكز تقديم المعلومات العلمية والتكنولوجية والتجارية وغيرها, وتوسيع استثمار شبكات الحواسب ومنها الإنترنيت وتشجيع انتقال العاملين من الجامعات ومراكز البحوث إلى الصناعة وبالعكس.
4. استثمار المعرفة: وهي من أهم الوظائف التي يجب الاعتناء بها وذلك بتوفير المؤسسات الوسيطة بين جهات توليد المعرفة وفعاليات الإنتاج والخدمات مثل المؤسسات التكنولوجية والمخابر الهندسية والهندسة العكسية ودعم براءات الاختراع العلمي وحماية الملكية الفكرية وغيرها من الإجراءات.[20]
كيف نوجه البلاد العربية نحو الاقتصاد المعرفي:
بما أن الإنسان هو رأس المال المعرفي، لذلك يجب تنميته تنمية شاملة ومتكاملة، ولكي نوجه البلاد العربية نحو الاقتصاد المعرفي لابد من إعداد صناع المعرفة، وتهيئة أفراد مبتكرين قادرين على التجديد في عالمٍ متغير بشكل مستمر، ويتحقق ذلك من خلال إعداد الموارد البشرية(طلاب ومعلمين وإداريين) من خلال ما يلي:
- الإصلاح التربوي الشامل.
- إعداد القيادات لإحداث التغيير.
- الاستفادة من تجارب الآخرين.
- تحسين التعليم لتخريج متعلمين لديهم القدرة على امتلاك المعرفة، والتعامل مع العالم بمستجداته.
- تطوير أساليب البحث العلمي.
- استخدام الحاسوب لدوره الكبير في تعلم المعرفة.
- التأكيد على التعلم الذاتي المستمر.
- يجب أن يتحول الطالب من متلقي للمعلومات الواردة في الكتب المدرسية، إلى مشاركٍ فاعلٍ وخلاق، يناقش ويحاور ويكتسب مهارات التفكير، ويعرض أفكاره بجرأة ويسهم في إنتاج المعرفة.
- يجب أن يتحول المعلم من ملقن ومسيطر إلى محاور ومناقش وقادر على التعلم الذاتي والإبداع.
10.تحقيق الربط الإلكتروني للمدارس العربية لخلق جيل يمتلك المعرفة ويستطيع المنافسة في مجتمع الاقتصاد المعرفي.
[1] Rossiter. John, What is marketing knowledge?, Marketing Theory, Vol. 1, No. 1, 9-26 (2001), 2001 SAGE Publications, University of Wollongong, Australia, 2007.< http://mtq.sagepub.com/cgi/reprint/1/1>
[2] هلال. إميل، الاقتصاد الجديد: واقع أو خيال، مجلة الكمبيوتر، المجلد 18، العدد 3، أيار 2001،
ص45.
[3] Knowledge and Communications Services, 2005 KPMG LLP, the UK member firm of KPMG International, a Swiss cooperative, <http://www.kpmg.co.uk/about>
[4] Towards the Knowledge Economy, THE TECHNOLOGY VENTURES INITIATIVE, Scotland, 2007, < http://www.scotland.gov.uk/library/documents-w9>
[5] مجلة News Week، 30 يناير 2001، العدد 34، ص45.
[6] عنبر. م. محمود، التحول الناجح إلى الأعمال الإلكترونية، مجلة المعلوماتي: الحاسوب والتقنيات،
العدد 93، صيف 2000، ص18.
[7] Progress in Marketing Knowledge, 2007, < http://www.empgens.com/Pubs/jems>
[8] Knowledge economy, November 10th 2004, <http://www.enterweb.org>.
[9] غنيم ,عبد العزيز, رأفـت. دور جامعة الدول العربية في تنمية وتيسير التجارة الالكترونية بين الدول العربية, ملحق أول, 2002, http://ituarabic.org/e-business/presentations%5CDoc12-las.doc>>.
[10] Alan R. Andreasen, Intersector Transfer of Marketing Knowledge, Georgetown University, Sage Publications, 2000, <http://www.social-marketing.org/index.html>
[11] مجلة معلومات دولية، العدد 64، ربيع 2000، ص19.
[12] هلال. إميل، مرجع سبق ذكره، ص46-47.
[13] What Is the Knowledge Economy?, World Development Report, 1999, <http://www.med.govt.nz/pbt/infotech/knowledge_economy>.
[14] David J. Skyrme, The Global Knowledge Economy: and its implication for markets, 1997, 22/08/2002. < http://www.skyrme.com/insights>
[15] هارتلي. جون, الصناعات الإبداعية: كيف تُنتَج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة؟ دليا سميث لا آدم سميث, ترجمة بدر السيد سليمان الرفاعي, المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, الكويت, مجلة عالم المعرفة, الجزء الأول, العدد 338, نيسان 2007, ص146.
[16] غدير. باسم غدير، الاقتصاد المعرفي والتجارة الالكترونية، مؤتمر الاعمال الالكترونية في العالم العربي، جامعة الزيتونة الأردنية، عمان، 28-30 تموز 2003.
[17] Thomas H. Davenport, PhD, Some Principles of Knowledge Management, Graduate School of Business, University of Texas at Austin, February 01, 1998, <http://www.mccombs.utexas.edu/kman>
[18] عبود.، د. طلال، التسويق عبر الإنترنيت، دار الرضا للنشر، دمشق، 2000، ص15.
[19] المرجع السابق نفسه، ص16-17.
[20] مراياتي. د. محمد، اقتصاد المعرفة، مجلة العربية 3000، العدد 1، شتاء 2000، ص110.
سبتمبر 27th, 2011 في الساعة 11:59 ص
رائع سلطت الضوء على نقاط مهمه جدا
ديسمبر 1st, 2011 في الساعة 7:50 م
انا عايز الكتاب ده بلييييييييز
يوليو 1st, 2012 في الساعة 3:12 م
صالحتني مع الكتاب العربي … جعلت مرسمتي بيميني وأنا أقرأك
كنت أوّل العرب المعرفييَن …
ممتنة لكَ …
كيف لي أن أحصل على باقي فصول الكتاب … :)
يوليو 3rd, 2012 في الساعة 11:02 م
أهلا بك ريم ….. يمكنك الحصول على النسخة الحديثة من الكتاب من الرابط الآتي:
http://www.raypub.com/catalog/book_info.php?cPath=&products_id=981&bookinfo=longindex
وهو إصدار عام 2010 بينما ما نشر هاهنا هو من كتاب لي عام 2001 شكرا لثقتك واهلا وسهلا بك………
د باسم